يمن نيشن- عبدالله الصنعاني
لم يكن شخصا عاديا بل كان مبدعا بكل معنى الكلمة؛ هو علم غنائي أسهم بشكل فعال في إثراء التجربة الإبداعية الموسيقية اليمنية باكتشافاته النغمية التي ارتاد بها آفاقاً موسيقية عبرت عن تطلع نغمي مدهش وشكلت تجربة الفنان محمد قاسم الأخفش مع أشعار المبدع مطهر الإرياني حالة تنغمية تجسدت في تلك الكوكبة من الأغنيات التي عكست جبال وهضاب وسهول اليمن.
ابتكارات لحنية
يقول عنه الموسيقى الأكاديمي جابر على أحمد: "أنا شخصياً واحد من الذين تهزهم الإبتكارات اللحنية للأخفش ذلك أنها ابتكارات استمدت حياتها من المكون الموسيقي التراثي اليمني، مستفيدة من المرجعية المقامية العربية التي ربما وجدت طريقها الى تكوينه الداخلي من خلال سنوات دراسته في مصر لستينات القرن الماضي وأتمنى أن تلهم التجربة الإبداعية للأخفش الفنانيين الواعدين بمصادر إبداعية جديدة وروافع منهجية موسيقية تجنبهم مخاطر الاجترار الذي يكتنف نشاط كثير من الفنانيين الشباب المشهورين منهم والمغمورين".
وأكد عدد من المسؤولين أن الفنان الأخفش كان مدرسة فنية يمنية عريقة، مشيرين في تصريحات نقلها موقع "سبتمبر نت" إن الساحة الفنية فقدت علما من أعلام الفن الذين صدروا كثيرا من الملاحم الفنية الوطنية.
وفي هذا الصدد قال وزير الدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى أحمد الكحلاني إن الفنان الراحل محمد قاسم الاخفش كان مدرسة للفن، وكثير من الفنانين تعلموا على يديه، وأعطى الكثير للوطن في أحلك الظروف،ك"يف لا وهو من مدرسة الفن اليمنية العريقة".
وأشار إلى أن الوطن خسر برحيله أحد الرموز الفنية الأصيلة في اليمن وأنه سيظل في ذاكرة اليمنيين وتراثهم وثقافتهم .
من جانبه قال وكيل وزارة الثقافة أحمد سالم القاضي إن اليمن والجيل الفني ووزارة الثقافة فقدوا علما من أعلام الفن الذين صدروا بفنهم الرفيع كثيرا من الملاحم في حياته الفنية.
وأضاف: "حقيقة من الصعب جدا تعويض ما فقدته الساحة الفنية برحيل الفنان القدير الاخفش ولكن هذه إرادة الله وليس أمامنا من شيء يمنع رحيله فهذه قدرة الله ونحن نعزي أنفسنا والشعب اليمني كافة برحيله، ولنا في كل ما أصدره من ألحان عبرة يتغذى بها شبابنا بالأخص منها أغاني الوحدة والثورة اليمنية".
امتداد فني أصيل
من جانبه، أكد عضو مجلس الشورى يحيى العرشي أن الفنان الاخفش امتداد للفن اليمني الاصيل وأنه استطاع تقديم العديد من الإبداعات الفنية الراقية .
وقال: "إننا نستشعر ما تركه من أثر طيب حينما كان يمثل حالات معينة فقد ساعد العمال واتصل بالإنتاج والبناء والحياة الاجتماعية والثورة والجمهورية من خلال ما قدمه من أغانيه المعبرة".
وأضاف العرشي: "واصلت إبداعاته تألقها عندما كنت زميلا له في الاذاعة حيث كان مثالا في تقديم التراث حتى للمناسبات الوطنية وكان فخورا في أداءه بالتراث اليمني الاصيل ونحن في مقام تشييعه لا يكفي أن نفكر في مناقبه ولكن في كيف نحافظ على ما خلفه من إبداع".
من جانب آخر قال وزير الثقافة السابق خالد الرويشان "إن المرحوم الاخفش يعد نموذجا نادرا للفنانين في اليمن وكان في طليعة من قدموا الكثير للأجيال سواء للمرأة أو الفلاح أو الطالب أو الوحدة والديمقراطية ..الخ".
وأضاف: "إن الفنان ومنذ عودته من مصر مطلع الستينات كان نموذجا نادرا في علاقته البديعة والمتواصلة مع الفنانين والشعراء الجدد الذين قدموا مالديهم في ظله".
نبراسا أصيلا
إلى ذلك وصف الفنان فؤاد الكبسي المرحوم محمد قاسم الاخفش بأنه كان نبراسا علما من أعلام الفن اليمني الاصيل وقد أشتهر بأغانيه الأصيلة في مشواره الفني الطويل صاغ كثيرا من الالحان الرائعة وكان كل لحن يصنعه وساما وتاجا على رأس المرحوم، مشيرا إلى أغانيه التي طالما أتحفت الجمهور والتي منها "ألا جينا نحييكم"، و"يادايم الخير"، و"بلغ الاحباب عنا يانسيم"، وغيرها من الأغاني.
وأكد أن الساحة الفنية خسرت علما من أعلام الفن وأنه من المؤسف أن الفنان عاش فترته الأخيرة من عمره يكابد آلام المرض ولم يكن هناك سوى التفات رئيس الجمهورية الذي وجه بالاعتناء به وهي توجيهات مشكورة وتعني الكثير".
تاريخ حافل
الإعلامي الكبير الأستاذ عبدالله الحيفي أكد أن الفنان الاخفش له تاريخ طويل حافل بالعطاء وهو من عباقرة الفن في اليمن له ألحان مميزة وأصيلة بل وعنده حس فني وصفه بالرهيب وأنه تمتع بالذوق الراقي والفكاهي في جميع أعماله وفي حياته، مشيرا إلى أن توفيق المولى كان محالفا له بأن توفاه في هذه الايام المباركة من خواتم شهر رمضان المبارك .
من جانبه، عبر الإذاعي عبد الرحمن مطهر عن أسفه لرحيل الفنان اليمني الكبير محمد قاسم الاخفش مشيرا إلى ان الفنان استطاع أن يضع بصماته في الفن والإبداع للأجيال القادمة وإبداعاته العظيمة ستظل مصدر إلهام لجماهيره.
أما رئيس جمعية المنشدين اليمنيين علي محسن الاكوع فوصف الفنان بأنه عاش وقدم الكثير من عطاءاته الفنية المتجذرة في وجدان اليمنيين وأنه عاش بحجم الفنان الذي بالفعل قدم تراثا جميلا ورائعا سواء كان من التراث اليمني الأصيل أو من ألحانه المجددة والتي تغنى بها بعض الفنانين العرب.
سيرة حياة الأخفش:
وكان الفنان الأخفش توفي في وقت مبكر من صباح يوم الأربعاء 22 رمضان 1431هـ، الموافق الأول من سبتمبر 2010م اثر مرض عضال عن عمر ناهز الـ64 سنة أثرى خلالها المكتبة الغنائية اليمنية بعدد متميز من الأعمال الغنائية واللحنية برز فيها من الأسماء الكبيرة التي أثرت في مجرى الأغنية اليمنية والصنعانية منها على وجه الخصوص.
ولد محمد قاسم الاخفش في عام 1946 في منطقة الروضة بصنعاء ونشأ في أسرة فنية كبيرة ومشهورة، فوالده الفنان قاسم الاخفش كان مدرساً وحافظاً للقرآن الكريم وفناناً كبيراً مارس الفن ملحناً ومطرباً، واشتهرت له أغانٍ عاشت في الوجدان اليمني حتى الآن مثل؛ "الله لطيف"، "ليت الهوى بيننا مافتح أبوابه"، "أهلا وسهلاً بمن فاق القمر"، "إلى من أشكو الهوى".
وكان متميزا بقدرته على إضفاء روح خاصة على الألحان التراثية حيث كان يظهرها بنفسه الخاص ويمدها بلوازمه المتميزة، ومن تلاميذه إلى جانب محمد قاسم الاخفش احمد السنيدار ومحمد الخميسي واحمد محرم وغيرهم.
درس محمد قاسم الاخفش بداية في "المعلامة" ثم درس المتوسطة في "صنعاء" ثم الإعدادية في "القاهرة" التي عاش فيها بين عامي 1960 و1964، حيث قضى السنة الأخيرة دارساً في معهد الموسيقى العربية الذي خرج منه قبل أن يكمل دراسته.
بدأ محمد قاسم الاخفش الغناء والدخول إلى عالم الموسيقى قبل العاشرة من عمره، وساعده على ذلك أنه من أسرة فنية فوالده -كما سبق- أستاذ لعدد من الفنانين اليمنيين في وقته وصاحب مدرسة فريدة في الغناء الصنعاني.
وبعد عودته من القاهرة التحق محمد قاسم الاخفش بالإذاعة موظفاً في المكتبة الفنية والتنسيق وجمع بين الإبداع الفني والنضال الوطني.
في عام 1973 نقل الاخفش من الإذاعة إلى وزارة الإعلام مع زملائه؛ الراحلين محمد الحارثي، وعلي بن علي الآنسي، واحمد السنيدار على أساس التفرغ للفن وظل على هذا حتى توفاه الموت.
وبمبادرة من الرئيس علي عبدالله صالح أعطيت له درجة وكيل مساعد منذ سنتين.
وكان الاخفش يصر على اعتبار نفسه ملحنا أكثر من كونه مطرباً ويقول إنه لو وجدت أصوات تشدو بألحانه لما مارس الغناء، ومع ذلك فهو في غنائه كما في ألحانه لا يشبه أحدا من الفنانين الآخرين.
محمد قاسم الاخفش متزوج منذ سنة 1970 وله خمسة أولاد وابنتان.
وحاز على وسام الفنون من الدرجة الأولى من رئيس الجمهورية سنة 1989 وعلى شهادة نضالية وشهادة حصار السبعين وشهادة التنسيق الموسيقي من وزارة الإعلام في دولة الكويت سنة 1970.
لحن لكثير من الشعراء والفنانين فمن الشعراء مطهر الارياني، وعباس المطاع، وعباس الديلمي، وابن شرف الدين، وابن إسحاق، والفنانين احمد السنيدار فرقة الإنشاد ويحيى العوامي، ومحمد الخميسي، محمد الحارثي وغيرهم إضافة إلى عدد من الاوبريتات مثل اوبريت مهد العروبة الوحدة ومجموعة أعمال لم تغن بعد ماتزال محفوظة في مكتبة وأرشيف الفنان الراحل وينتظر محبوه أن تخرج إلى النور ويتم إبرازه وتكريمه من خلالها بما يليق بتجربته.
السياسية+سبأ