المشروع النووي.. حلم مصري تطارده إسرائيل
القاهرة- محيي الدين سعيد
صفق المصريون بحرارة عندما أعلن الرئيس مبارك أثناء افتتاحه محطة كهرباء شمال القاهرة عام 2007 إطلاق مصر للاستخدامات السلمية في مجال الطاقة الذرية، فهناك إجماع بين المصريين على أنهم تأخروا لسنوات في إنجاز هذا الحلم الكبير خاصة أن بدء التفكير في إطلاقه يعود إلى عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر الذي طلب بالفعل تجهيز الإمكانات اللازمة لتصنيع السلاح النووي، ولأجل ذلك أمر الزعيم الراحل بإنشاء هيئة الطاقة الذرية بأنشاص، كما تم في عام 1964 إنشاء قسم الهندسة النووية بجامعة الإسكندرية، واستهدف توفير خبرات وإعداد كوادر رفيعة على المستوى العالمي في تصنيع السلاح النووي.
تصاعد السباق النووي في المنطقة والجدل الدائر حول المشروع النووي الإيراني ومن قبله وجود عدو رابض على الحدود، هو الكيان الصهيوني يمتلك المئات من الرؤوس النووية، جعل من الرغبة في إطلاق مشروع نووي حلماً يراود المصريين، وتراودهم به حكوماتهم في الفترة الأخيرة، حيث لم تقدم الحكومات المتعاقبة في السنوات الأخيرة مبرراً مقنعاً لتباطؤها في تنفيذ ما وعد به مبارك بإنشاء مفاعل نووي سلمي، وأصبح الرأي العام على اقتناع تام بأن أطماع ومصالح عدد من رجال الأعمال وصراعاتهم حول منطقة “الضبعة” الحيوية، هو السبب الرئيسي وراء تأجيل تنفيذ حلمهم، ليعيد مبارك من جديد بقرار أصدره قبل أيام بحسم اختيار الضبعة موقعاً لإنشاء المفاعل النووي الموضوع إلى دائرة اهتمام المصريين من جديد .
وكان اللافت أن إسرائيل لم تفوت الفرصة لشن هجوم على الخطوة المصرية حيث دانت منظمة "السلام الأخضر" الصهيونية قبل أيام إقدام مصر على بناء مفاعل نووي لتوليد الطاقة الكهربائية بمنطقة الضبعة في الصحراء الغربية على ساحل البحر المتوسط، وقال التلفزيون الإسرائيلي إن المنظمة تعتزم التحرك ضد مصر في ضوء التقارير الإعلامية التي أكدت فيها القاهرة أنها بصدد تدشين أول محطة لتوليد الكهرباء من الطاقة النووية، وذلك بدعوى أن تلك المنظمة تعمل ضد بناء أي مفاعل نووي في العالم حتى ولو لأغراض سلمية، وأنها تعتبر أن محطات للطاقة النووية "إرثاً مميتاً من القرن ال 20".
ورغم أن أبحاثاً ودراسات تعتبر أن إسرائي” هي خامس أكبر قوة نووية في العالم، حيث تمتلك في ترسانتها نحو 200 سلاح نووي، ورغم تأكيدات باحثين وعلماء أن محتوى البرنامج النووي الإسرائيلي يثير القلق ليس لمنطقة الشرق الأوسط فحسب، وإنما لكوكب الأرض بأكمله، كونه يحمل استراتيجية قتال كلية، وليس استراتيجية ردع كما يدعي الكيان الصهيوني، على الرغم من كل ذلك فإن منظمة السلام الأخضر هذه اعتبرت في تقريرها الذي أذاعه التلفزيون الإسرائيلي مفصلاً أن البرنامج النووي المصري يمثل خطراً على إسرائيل والمنطقة وشككت في أن يكون البرنامج النووي المصري سلميا.
مصر من جانبها قللت من الادعاءات الإسرائيلية وأكد متحدث رسمي باسم وزارة الكهرباء والطاقة أن البرنامج النووي المصري سلمي بمقتضى الاتفاقيات الدولية الموقعة ويستهدف توليد الكهرباء، وأنه يتم التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشفافية كاملة، مشيراً إلى أن مصر هي إحدى الدول الموقعة على اتفاقية حظر الانتشار للأسلحة النووية وتلتزم بكامل بنودها.
بداية ونهاية
وتجمع مختلف الدراسات الراصدة لتطور المشروع النووي المصري إلى أن المشروع بدأ طموحاً عام 1955 وتحمس له الرئيس عبدالناصر حيث تم تشكيل لجنة الطاقة الذرية لوضع الملامح الأساسية للاستخدامات السلمية للطاقة، وفي عام 1956 وقعت مصر عقد المفاعل النووي البحثي الأول بقدرة 2 ميغاوات، وفي العام التالي تقرر إنشاء مؤسسة الطاقة الذرية، كما اشتركت مصر عام 1957 كعضو مؤسس في الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وفي العام 1961 افتتح الرئيس عبدالناصر المفاعل النووي الأول في مدينة "انشاص"، وقتها طلب من رئيس هيئة الطاقة الذرية إرسال علماء إلى الهند للحصول على الخبرات اللازمة في هذا المجال، تلبية لطلب من الزعيم الهندي نهرو الذي التقى الرئيس عبدالناصر في مؤتمر عدم الانحياز، وعرض عليه استعداد الهند لاستقبال العلماء المصريين في المجال النووي لتلقي الخبرات اللازمة من نظرائهم الهنود.
وتراجع المشروع النووي المصري بعد أن توجه الدعم المادي وموارد البلاد نحو تسليح الجيش وإعادة بنائه بعد نكسة العام ،1967 وجاءت فترة السبعينات لتشهد مزيداً من التراجع في الاهتمام بالمشروع، حيث جرى تفتيت مؤسسة الطاقة الذرية سنة 1976 وانفصال أقسامها إلى عدة كيانات مستقلة، وتولدت عنها مؤسسة لمحطات توليد الكهرباء، وهيئة للمواد النووية، إضافة إلى هيئة الطاقة الذرية، وتوزعت هذه المؤسسات في تبعيتها على عدة جهات ووزارات مختلفة.
وصل التراجع المصري ذروته مع توقيع اتفاقيات السلام مع إسرائيل وهجرة معظم علماء الذرة المصريين خارج البلاد، وتقول دراسة صادرة عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بعنوان "البرنامج النووي المصري: التطور التاريخي والآفاق المستقبلية" إن التراجع وصل إلى منتهاه بتصديق مجلس الشعب المصري البرلمان على اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية سنة ،1981 رغم عدم تصديق إسرائي” عليها، وهو ما وصفته الدراسة بالخطأ الاستراتيجي الذي كررته مصر بالتوقيع على اتفاقية الحظر الشامل للتجارب النووية في ديسمبر سنة ،1996 وهو ما اعتبره خبراء بمثابة إعلان رسمي علني بالتخلي عن الخيار النووي.
أطماع
أطماع ومصالح عدد من رجال الأعمال النافذين في دوائر الحكم ولجان الحزب الوطني الحاكم، وسعيهم إلى إقامة المشروعات السياحية في منطقة الضبعة حالت طوال الثلاثين عاماً الأخيرة دون تنفيذ القرار الرئاسي رقم 305 والصادر في عام 1981 بتخصيص أرض الضبعة في منطقة الساحل الشمالي للمشروع النووي المصري، حتى أن لجنة استماع خاصة عقدت في البرلمان لأحد هؤلاء تم عقدها وظل الرجل خلالها يثير المخاوف والادعاءات بأن هناك مخاطر على مصر كلها في حالة الإصرار على هذا الموقع، وأرجع ذلك إلى ما وصفه بغياب عوامل الأمان، وإمكانية تعرض الموقع لعمل تخريبي، إضافة إلى ذلك فإن تقارير إعلامية رصدت تحريض عدد من رجال الأعمال لبعض نواب البرلمان في المنطقة وبعض السكان المحليين لإعلان أن المشروع خطر على حياتهم، وذلك بهدف تأليبهم ودفعهم للتصدي للمشروع القومي المصري.
ومع الإجماع على أن مصالح وأطماع رجال الأعمال في منطقة الضبعة قد حالت طوال الثلاثين عاماً الأخيرة دون تفعيل الاهتمام المصري بإطلاق البرنامج النووي، إلا أن هناك أسباباً أخرى أعاقت نمو البرنامج النووي المصري، ومن بينها إخلال الاتحاد السوفييتي بتعهداته للرئيس عبدالناصر ببناء مفاعل نووي لمصر لإحداث توازن مع القوة النووية الناشئة في إسرائيل، وحاول السوفييت تعطيل بناء المفاعل النووي الأول الذي استكمل سنة ،1961 وانسحب الخبراء الروس قبل إتمامه بحجج مختلفة، والأكثر من ذلك أن القيادة السوفييتية تدخلت لدى الكنديين للحيلولة دون حصول مصر على مفاعلات "كاندو" المتوسطة، بعدما رأوا إصرار المصريين على استكمال قدراتهم النووية في ذلك الحين.
وترصد الدراسة الصادرة عن مركز دراسات الأهرام شهادة للدكتور عثمان المفتي الذي تأسس أول مفاعل نووي عربي تحت رئاسته يؤكد فيها أن "الاتحاد السوفييتي لم يكن جاداً في يوم من الأيام في وعوده بمساعدة مصر على بناء قدرة نووية، حيث رفض الروس السماح لأي من أعضاء أول بعثة علمية أرسلها عبدالناصر سنة 1956 بدراسة أي تخصص يتعلق بالطاقة النووية بحجة أن ذلك مقصور فقط على الروس، وكان من أعضاء هذه البعثة عالم الذرة الشهير د .يحيى المشد، فاضطر إلى دراسة الكمبيوتر بدلاً من الطاقة الذرية التي كان من المفترض أن البعثة مخصصة لها".
اغتيالات
ولم يكن الاتحاد السوفييتي وحده أحد أسباب تعطيل البرنامج النووي المصري، وإنما كان الدور الأمريكي والصهيوني بارزاً في هذا الشأن، ويرصد باحثون في هذا الشأن أن الدكتورة سميرة موسى، وهي أول عالمة مصرية في مجال الذرة، قد لقيت حتفها في حادث سيارة بالولايات المتحدة الأمريكية في شهر أغسطس/ آب عام ،52 وبعد قيام ثورة يوليو بشهر واحد، وفي الوقت الذي سعت فيه الإدارات الأمريكية المختلفة إلى إعاقة مصر عن إتمام مشروعها، كان المشروع النووي “الإسرائيلي” يلقى دعماً كبيراً من أمريكا وفرنسا.
وكان اغتيال سميرة موسى الحلقة الأولى في سلسلة طويلة من الاغتيالات تعرض لها العلماء المصريون في مجال الذرة ومن هؤلاء العلماء سمير نجيب الذي مات في حادث سيارة في أغسطس/ آب من العام ،67 ونبيل القليني الذي اختفى في ظروف غامضة، إضافة إلى الدكتور سعيد بدير الذي اغتيل في أحد الفنادق الكبرى بالعاصمة الفرنسية باريس، والدكتور يحيى المشد الذي اغتيل في العام ،1980 وهي سلسلة من الاغتيالات رآها الكاتب والشاعر فاروق جويدة تحمل أكثر من دلالة: "أهمها أن إسرائيل لا تريد لمصر أن تملك يوما سلاحاً نووياً، ويبدو أن الغرب كان يؤيد هذا الاتجاه من البداية، خصوصاً في تلك الفترة التي اشتعل فيها الصراع بين مصر والغرب بعد تأميم قناة السويس وحرب "56.
أزمة تمويل
وبقي القول أنه رغم حسم مبارك اختيار منطقة الضبعة لإقامة المشروع النووي المصري، ورغم قيام وزارة الكهرباء المشرفة على المشروع إجراء المناقصات اللازمة لذلك من بين الشركات العالمية الراغبة في المشاركة في إنشاء المفاعل المصري، إلا أن أزمة أخرى تلوح في الأفق وتهدد مجدداً بتعطيل آخر للمشروع المصري، وتتمثل في البحث عن جهة لتمويل إنشاء المشروع، خاصة وقد تحددت تكلفة إنشائه بنحو 20 مليار جنيه من أجل إقامة أربع محطات نووية . وترصد تقارير مختلفة عدة سيناريوهات مطروحة أمام الحكومة المصرية لتجاوز عقبة التمويل، يتمثل أولها في قيام الحكومة المصرية بتدبير التمويل من خلال مواردها الذاتية ومن خلال الاقتراض من البنوك المحلية، أو توفير التمويل من خلال نموذج المشاركة بين الحكومة ورجال الأعمال، أو اللجوء إلى السيناريو الأخير ويتمثل في أن تقوم الشركات الموردة لمكونات المحطة النووية بتقديم عروض لحزم تمويلية ضمن العطاء المالي الذي ستتقدم به في المناقصة لتمويل أجزاء المفاعل المورد من الخارج.
وكان وزير المالية الدكتور يوسف بطرس غالي قد أعلن أن مصر لديها القدرة الكاملة على تمويل المشروع، فيما رأى خبراء أن الاقتصاد المصري لا يستطيع القيام بذلك في الوقت الحالي، مشيرين إلى أن مواد القانون النووي الجديد الذي يقصر تملك المشروع وتشغيله على الحكومة ويحظر دخول رجال أعمال، مؤكدين ضرورة أن تقوم الدولة بتمويل المرحلة الأولى من المشروع بالكامل، وأنه في أسوأ الحالات من الممكن أن يتم اللجوء إلى الاكتتاب الشعبي، خاصة أن رجال الأعمال لديهم “تجارب غير مشجعة” في مجالات الخدمة العامة، لافتين إلى أن الاقتصاد المصري لو تمت إعادة ترتيب أولوياته مرةً أخرى، وجرى استغلال الموارد الاقتصادية بشكلٍ صحيح، فسيكون بإمكانه أن يمول هذا المشروع دون الحاجة إلى أيضاً إلى الاستدانة من الخارج، والتي ستكون بطبيعتها "استدانة مشروطة".
الخليج